• سهير المصادفة تقع في غواية الخرائط
    تتناسل الحكايات والأساطير والأزمنة في رواية سهير المصادفة «لعنة ميت رهينة»- الدار المصرية اللبنانية، ويبدو الواقع مجرد فخ يسقط في داخله الأبطال والخرافات واللعنات، ويمتزجون في ما...
  • فانتازيا الواقع القاهري "رسائل سبتمبر"
    في عمله الروائي الثاني "رسائل سبتمبر"( توبقال – المغرب) يخوض الكاتب الشاب أحمد عبد المنعم رمضان تجربة روائية يدمج فيها بين الواقعية المطلقة، من حيث المكان والزمان، وبين المضمون...
  • أريج جمال تلاحق شبح فيرجينا وولف في
    "لا تفهم أبدا لماذا تأتي الهاوية قبل أن تأتي الكتابة؟" من الممكن لهذا التساؤل الذي يختم قصة "موت فرجينا" في مجموعة أريج جمال "كنائس لا تسقط في الحرب"، اعتباره التيمة الرئيسية...
  • «الجميلات الثلاث» في رحلة الشتات والعودة
    تمضي الكاتبة فوزية شويش السالم في روايتها «الجميلات الثلاث»- دار العين- القاهرة، في مسار أعمالها الروائية السابقة التي تقارب فيها الزمن من اتجاهات ورؤى عدة، بين الحاضر والأمس...
  • رواية " قيد الدرس " الهوية و تقاطعات
    أقام أتيلية الاسكندرية "جماعة الفنانين والكتاب " ندوة أدبية لمناقشة رواية " قيد الدرس " للروائية لنا عبد الرحمن ، قدم للندوة الشاعر جابر بسيوني وشارك في النقاش الناقد شوقي بدر...

الرئيسية الرئيسية » المقالات » عن رواية "ثلج القاهرة" » " لنا عبدالرحمن " تخايل " ثلج القاهرة "

" لنا عبدالرحمن " تخايل " ثلج القاهرة "



  الكاتب :  د. صلاح فضل   الخميس, 08-اغسطس-2013 الساعة :09:08 مساءا

حجم الخط تكبير الخط | تصغير الخط   مشاهدات 941
   ارسال مقال ارسل    اضف تعليق اضف تعليق    حفظ المقال حفظ    طباعة مقال طباعة


لنا عبدالرحمن كاتبة وصحفية لبنانية، درست الدكتوراه فى النقد الأدبى وظلت تقيم فى مصر، تصطلى بحر القاهرة وتعيش فورانها الثورى اللاهب، فأخذت تحلم بالثلج وتلجأ إلى الخيال الإبداعى كى تستبطن لغز الوجود وهى تقرأ بحدسها المشبوب فى تاريخ الروح وأسرار النفس، تستفزها - فيما يبدو - عبارة للروائى العظيم «جميس جويس» حيث يقول فى «عوليس»: «لم تكن ولادتى بدايتى، إننى مازلت أترعرع وأنشأ عبر ألفيات الأزل التى لا تحصى،

مازلت أسمع بداخلى أصوات ذواتى السابقة، آه، لا تحصى هى المرات التى سأخلق فيها مجدداً لكنها تمزجها بأمشاج الثقافة الشرقية فى نصوص التناسخ الهندية القديمة وهى تصف (الكارما) وحكمها لدورات الحياة، حيث لا تموت الروح بل تأخذ جسداً آخر أعلى أو أدنى مرتبة وفقاً لأعمالها فى حياتها السابقة بعدل لا يعرف الرحمة، وتربطها بالمعتقدات الفرعونية القديمة عن خلود الروح وبأسطورة الهامة العربية لروح القتيل التى تطلب الثأر من القاتل، وتجاوب أصداء كل ذلك فى الوجدان الشعبى المصرى عن الرؤى والمعتقدات القارة فى أعماق الإنسان، لكنها لا تتناول ذلك نظرياً بطبيعة الحال، بل تبثه بإشارات ذكية فى غمار السرد الممتع للحياة الشخصية، حريصة على أن تأخذ مسافة محسوبة من حرارة الشارع المصرى وقلقه العام بعد الثورة، لتتمثل شخوصها وهم يعيشون تجارب تبدو ميتافيزيقية، لكنها معجونة بالإحساس المباشر بالحياة وأحلامها ورؤاها، مع تفادى اللغط الأيديولوجى الغالب على الوسط الإعلامى، دون انفصال عن غبار الأحداث وصداها فى أشواق الروح».

خصوبة التهجين:

تختار لنا عبدالرحمن لروايتها الرابعة الجديدة «ثلج القاهرة» تقنية فنية جريئة هى سرد حياتين متباعدتين زمنيا بصوتين مختلفين، أحدهما ينتمى للماضى ترويه الأميرة المصرية «نورجهان» التى كانت تقيم فى قصرها على ضفاف النيل، بعد أن أخفق زواجها من الأمير التركى الشاب وأورثتها دسائس الحريم علل النفس والجسد فأخذت تروى مأساتها متقطعة فى سطور وجيزة، تتخلل سرد الصوت الثانى وهى «بشرى» فتاة مهجنة لأم مصرية وأب سورى،

جاءت إلى القاهرة امتثالا لرغبة أمها بعد وفاة والدها فى دمشق، فباعت بيته الكبير الذى تحول إلى مطعم وعادت مع ابنتها الشابة لتستعيد جذورها فى وطنها، لكنها لم تلبث أن رحلت عنها بسرعة، وتركتها وحيدة تواجه أسئلة الوجود وتخوض تجارب عديدة فى الزواج والحب والتكيف الاجتماعى، غير أن أخطر ما وجه حياتها هو طيف يلوح فى رؤاها ويكاد يتجسد أمام عينيها ويجذبها إلى متابعته والتعلق به لفرط ما يتماهى معها فتمضى فى محاولة التحقق منه، وليس هذا الطيف سوى الأميرة نورجهان التى تطل على القارئ لتحكى له «أراقب أيامى وهى تمضى وأنا عاجزة عن الفعل، ورغم هذا أحس أنى فى حياتى الأخيرة عشت أطول من حياة (سولاى الغجرية) يوم مت وأنا فى السادسة عشرة من عمرى بعد مرض شديد ألم بى، وحين أخذت الفرصة لأعيش من جديد لم أملك القدرة على الفعل أيضاً، ولم أقم بشىء سوى بالتعاطف مع كل ما ينبض بالحياة حولى، لكن بشرى أيضاً لا تعرفنى بما يكفى، لا تعرف حكاية نورجهان، لا يهم أن تعرفنى، المهم أن تحس بوجودى، لست روحا أخرى، لست وهما ولا سرابا، أنا هى وهى أنا، أعيش فى هذه الحياة فيها وعبرها ومن خلالها، وهى تعيش عبرى ومن خلالى»، وعلى الرغم من استخدام ضمير المتكلمة فى الحالتين فإن إبراز حديث الأولى الواعية بطبيعتها بالبنط الأسود يكفى لتمييزه عن حديث نشوى ويسمح للقارئ بامتصاص التداخل والتخارج فى حركة سرد الصوتين ومراقبة الروح الهائمة وهى تسبح فى فضاء من تجسدت مجدداً فى حياتها، فتشتعل مفارقات الزمان والمكان عبر هذا التواصل الطريف، وإن كانت شخصية نشوى هى التى تتمدد فى السرد لتكشف بعين الدهشة ما يتاح إدراكه من الذين يعيشون على حافة المجتمع قادمين من بيئات مغايرة، فلأنها سورية من أسرة متوسطة تربت فى الشام ولم تصبها موجة الحجاب مثلاً لاحظت أنها الوحيدة فى العمارة التى لا ترتديه، حتى حسبتها الجارات مسيحية، وتأكد لهن هذا الظن عندما جلبت معها شجرة عيد الميلاد، فقالت لها إحداهن: «كل عام وأنت بخير» فردت عليها بابتسامة دون أن تخبرها بهويتها الدينية، وكيف أنها اعتادت شراء شجرة الميلاد كل عام منذ صغرها، لأن أمها التى أجهضت لمرات متتالية قبل أن تحمل بها نذرت بناء على نصيحة جارتها المسيحية «أم مارون» أن تقدم نذرا فى الكنيسة المريمية فى «باب توما» إن أتم الله حملها بسلام، وأنها اتفقت على تسمية المولود نور إن جاء صبياً وبشرى إن كانت بنتا، كانت الأم وهى تحكى لابنتها ذلك تختمها بعبارة أنها لا تعرف إن كان دعاؤها قد قبل ببركة مريم العذراء أم ببركة القديسة ريتا شفيعة الأمور المستحيلة التى كررت الدعاء أمام تمثالها قبل أن تغادر الكنيسة، وهكذا نرى فى لمحة دالة كيف تآكل تراث التعايش والتسامح الذى تراكم على مر العصور فى الوجدان العربى لتبرز قرون التعصب الدينى والطائفى البغيض.

عين الذاكرة:

تستحضر بشرى أطرافاً من تاريخ أسرتها فى دمشق، وكيف كانت العلاقة بين أمها المصرية المغتربة وعمتها سميرة السورية التى تميزت بالمهارات المنزلية الشامية، فأتقنت فنون الطبخ والتطريز وإدارة المنزل، ومع أنها قد تأخرت فى الزواج نسبياً فهى لم تلبث أن حصلت عليه «فى ترتيب اجتماعى من إحدى العجائز من صديقات جدتى التى انبهرت بشراب الورد الذى تعلوه حبات الصنوبر، قدمته عمتى لها فى يوم صيفى حار، وأعقبته بطبق مهلبية تعلوه القشطة المزينة بالفستق الحلبى، كما راقت لها نظافة الدار وأناقة الغرف، وعرفت أن سميرة هى التى تقوم بكل ذلك، مما شجعها على ترتيب زيجة لها من ابن أختها الذى تأخر بالزواج أيضاً، وقد تم الزواج بسرعة لأنها دأبت طوال سنوات العنوسة على الاستعداد لليوم الموعود عبر اقتناء جهاز عرس من مناشف وشراشف وثياب داخلية وأطقم قماشية للمطبخ وبعض الأوانى الخزفية المميزة التى لا تتكرر نقشتها فى الأسواق، كانت تخزن كل هذا فى غرفتها داخل حقائب جلدية كبيرة تضعها تحت السرير وفوق الدولاب، وفى يوم نقل جهازها إلى بيت العريس استدعت قريباتها من نساء العائلة ليتفرجن على الجهاز الذى بلغ عدده سبع حقائب كبيرة، بالإضافة إلى شنطة شفافة تضم مفرش سرير أبيض موشى عند أطرافه بالدانتيل والأورجانزا ومزينا فى حوافه بخرز ذهبى وقد تعمدت أن أورد الفقرة باختصار لأن تفاصيل ما يثير اهتمام النساء بدقة تند دائماً عن عين الرجال وتسقط من ذاكرتهم وميزة دخول المرأة عالم الإبداع بما اكتسبته من حرية فى العصر الحديث أنه يتيح الفرصة كى تقدم تمثيلها الجمالى للحياة ومذاقها فى تجربتها المتفردة المغايرة فى كثير من الأشياء لتجارب الرجال ومخيالهم.

والطريف أن بشرى لا تغفل فى هذا الصدد رصد رد فعل أمها المصرية على هذا الموقف، فقد اشتعلت الغيرة فى قلبها، لا لأن الفتيات المصريات لا يقمن بالإعداد لجهازهن بهذه المهارة والدقة، ولكن لأن ظروفها الشخصية عندما اختطفها الزوج السورى فى إجراء سريع لم تمكنها من التنعم بهذه الإعدادات فحرصت على كبر على اقتناء ما يفوق ذلك من مطارف ومفروشات وشراشف ثمينة، ثم لم تلبث أن أدركت خروج ذلك عن السياق العائلى فوهبتها لابنتها بشرى وحملتها معها إلى القاهرة، وتتذكر الفتاة أن أمها لم تكن فى حاجة لإغراء زوجها بمثل ذلك، لأنها كانت فائقة الجمال، منخرطة فى أضواء السينما وتقوم ببعض الأدوار المهمة مما جعل الزوج يقع فى غرامها ويطير بها إلى موطنه.

فإذا انتقلت الراوية مما تشاهده بعين الذاكرة إلى ما تلقاه فى شوارع القاهرة لاحظت أنها تحتاج لخراطيم من المياه تغسل الشوارع والبيوت والناس «فكرت بشرى أن الناس تغلى فى قدر كبير على نار هادئة وتحت شمس عنيفة عنيدة يذوبون على مهل من دون مقاومة. القاهرة تحتاج إلى ثلج يغطيها تماما (ربما مثل جبل قاسيون) ثلج يوازن الأشياء لتعود إلى طبيعتها، ثلج يخفف من حرارة الناس، يذيب طبقات السواد التى تغطى أرض المدينة، ليحل مكانها لون أبيض ناصع، وتخرج من شقوق الثلج قاهرة يافعة ببرعم أخضر يقاوم طبقات الشحم التى سدت مكان خروجه».

ومع أن هذا الغليان الذى ترصده لنا عبدالرحمن لا يقتصر فى تقديرى على الطقس الطبيعى، بل يمتد بالضرورة إلى المناخ الثورى الذى تعيشه مصر رمزيا فإنه لا مفر من أن يكون الثلج المنشود كذلك رمزاً لاسترداد نقاء الطبيعة البشرية فى استعادة الروح الحضارية المخصبة لحيواتها المتناسخة. وعلى الرغم من أن الرواية تستلهم التيارات المحدثة فى السرد بتتبع الإشارات الموحية والتمعن بالتحديق الطويل فى عين الذاكرة حتى تسترجع نشوى أطيافاً من حيواتها السابقة فتصل إلى صورة «نور جهان» واسمها منقوشاً على سلسلة مدلاة من يدها فى لحظة استبطان عميق لرؤيا داخلية، ثم ترى فستانا ورديا فتشعر أنها ارتدته من قبل، ثم تعثر فى نهاية الأمر على صورة فى الأرشيف الصحفى تتصدرها الأميرة نورجهان حكمت، وبمداومة البحث تصل إلى قصرها المهجور على ضفاف النيل فى المنيل فتتعرف على حجراته دون دليل قبيل أن يتم هدمه، على الرغم من أن هذا المسار السردى المشوق هو الذى يقود حركة الوقائع وإيقاعها فإن الدلالة العميقة للرواية تتجاوز هذا الإطار الغينى لتجسد رؤى إبدعية لفنانة مشغولة بتخليق عوالم طفولية عبر فن الجرافيك بالكمبيوتر، وليست حكاية تناسخ بشرى عن نورجهان ومن قبلها سولاى الغجرية سوى ذريعة لتحريك المخزون التخييلى الأنثروبولوجى للإنسان العربى، كى يتمثل حياته أعظم تواصلا وأشد ارتباطا بروح الكون وجماليات الأمكنة مما يتراءى لمن لا يعرفون تاريخه الخصب الثرى.

00

* نقلا عن ( المصري اليوم ) 22/7/2013

   





من مكتبتي

د. لنا عبدالرحمن كاتبة وصحافية ، تقيم في مصر ،عضو نقابة الصحفيين واتحاد الصحفيين العرب وعضو نادي القصة .حصلت على الماجستير في الدراسات الأدبية (قسم اللغة العربية). ونالت الدكتوراة عن موضوع السيرة الذاتية في الرواية النسائية اللبنانية.و تعمل في الصحافة الثقافية.




اقسام مدونتي

الاقسام الرئيسية

روابط مختارة

من مكتبتي
 اسم الكتاب ثلج القاهرة - رواية
المؤلف: لنا عبد الرحمن
 اسم الكتاب قيد الدرس - رواية
المؤلف: لنا عبد الرحمن
 اسم الكتاب لافينيا ( رواية) أورسولاكي لي جوين
المؤلف: ترجمة : لنا عبد الرحمن
 اسم الكتاب شاطئ آخر.. مقالات في القصة العربية
المؤلف: لنا عبد الرحمن
 اسم الكتاب تلامس - رواية
المؤلف: لنا عبد الرحمن

من مكتبتي

مواقع مختارة

من أرشيف المقالات

من مكتبتي الخاصة

من ألبوم صوري





كن على تواصل دائم

خدمة Rss     صفحة البدء    اضفنا للمفضلة


© جميع الحقوق محفوظة لموقع د.لنا عبدالرحمن lanaabd.com 2017

برمجة وتصميم طريق التطوير
لحلول الإنترنت