• مسلسل "سابع جار" الثابت والمتحول في
    يستطيع المتابع لمسلسل "سابع جار"، الوقوف على الطروحات الاجتماعية والفكرية والأسلوبية الجديدة، التي يقدمها هذا العمل الدرامي، عبر شريحة اجتماعية من العائلات المنتمية إلى ما يمكن...
  • تناسخ الأمكنة .. لنا عبد الرحمن روح
    "إلى الذين واجهوا أشباحهم بثبات ...إلى الخاسرين كثيراً، الحالمين دوماً، إلى الذين ربطوا أجسادهم إلى سارية السفينة .." هكذا أهدت عبد الرحمن روايتها الأخيرة "قيد الدرس" التي صدرت...
  • صندوق كرتوني يشبه الحياة".. المرأة
    تجدل الكاتبة لنا عبد الرحمن بين الواقع والمتخيل في مجموعتها القصصية "صندوق كرتوني يشبه الحياة"، الصادرة في القاهرة حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وتتخذ من إحدى قصص...
  • مارجريت أتوود وقوى خارقة للطبيعة
    كل ما عليك فعله هو مواصلة الكتابة. عبر هذه الجملة البسيطة تختصر مارغريت أتود وصف علاقتها مع الكتابة بكل ما فيها من مسرات وآلام ، لأنها ترى أن على الكاتب أن لا يضيع الوقت في...
  • البحث عن "حافة الكوثر"
    تتقاطع بعض الروايات مع الحياة مباشرة، وتستمد خطابها منها بلا مواربة، أو انحيازات مستترة لاخفاء الحقيقة، تطرح أزمتها وأسئلتها المؤرقة على الورق، تلك الأسئلة التي ربما شغلت سنوات،...

الرئيسية الرئيسية » المقالات » شهادة » عبث الذاكرة المثقوبة

عبث الذاكرة المثقوبة



  الكاتب :  د. لنا عبد الرحمن   الجمعة, 13-يوليو-2012 الساعة :11:07 مساءا

حجم الخط تكبير الخط | تصغير الخط   مشاهدات 1136
   ارسال مقال ارسل    اضف تعليق اضف تعليق    حفظ المقال حفظ    طباعة مقال طباعة

عبث الذاكرة المثقوبة

 

في تلك اللحظات، كان هناك حقد كبير مثل خراج ملوث انفجر في وجه السماء، لوث العالم، وبعد مرور ثلاثين عاما ظل مكانه ندبة بشعة تؤكد وجوده، فلا مجال للنسيان. ما الذي يعنيه أن تعود الذكرى الآن! إنه حرث في ذاكرة مثقوبة، ترتق ثقوبها في محاولات مستميتة وغير مجدية. ما تبقى من ذاك الزمن، غير قليل إطلاقا، طفلة في عامها السادس تركض وسط الجموع المتدافعة، تمسك يد أمها، فيما أبيها يحمل أخاها الأصغر، ويسارعون جميعا بالفرار، مم هم هاربون؟ كانت الطفلة تحدث ذاتها، من دون إدراك واع بالخراب الآتي. رائحة البارود تملأ الشوارع، وأصوات الصواريخ قريبة جدا.

'الاجتياح...الاجتياح' رددوا هذه الكلمة، وعرفت الطفلة سريعا مدلولاتها، بيتهم الذي احترق حين دكت قذيفة سطح العمارة، أبوها المختفي مع المقاتلين في الجبل، ووقوف أمها في طابور طويل لتملأ غالونات الماء، ثم هناك السيارة التي كانوا سيفرون بها ليلا إلى مكان أكثر أمنا فوجدوها متفحمة عند الصباح.

الماء، الخبز، بطاريات الراديو، الشمع، أساسيات الحياة، ارتباط أمها الوثيق بالراديو لمعرفة إلى متى ستظل بيروت صامدة، فيما بعد سيحكي العالم عن الصمود المستحيل، عن البوارج التي أتت من البحر لتنسف المدينة، وعن الفدائيين الذين استبسلوا في القتال، وظلت جثثهم ملقاة في الشوارع. ستظل الطفلة تخاف من المقنعين لأنهم يذكرونها بالجواسيس والعملاء، الذين رافقوا الإسرائيليين خلال دخولهم للمدينة، كل الجيران يعرفون أن خالها كان مع المقاتلين وأباها أيضا، وهم الذين نصحوا جدتها أن تسرع لتتخلص من السلاح، كلاشينكوف، ومسدس، ورصاص، رغم أن خالها جريح ،وتقوم أمه، وأخته المريضة بمساعدته للذهاب إلى الحمام، إلا أن مجرد وجود رجل مشتبه بانتمائه سيقود العائلة كلها إلى الهلاك، هذا ما استنتجته عيون الطفلة وهي تتنقل بين بذلات الجنود المخيفة الذين تحدثوا بالعبرية فيما بينهم، ثم تكلم العميل الذي كان برفقتهم ليسأل أمها عن علاقتها بالرجل الممدد شبه غائب عن الوعي، ردت أمها: ' أخي'،ثم مضوا بعد أن بثوا الرعب ونكشوا البيت كله، ستظل تذكر أصوات صرخات وعويل تنطلق من بيوت الجيران، صراخ وشتائم، ودعاء الجارة خديجة يهز المكان، لم تكن خديجة خائفة، مات ولداها منذ أيام، ثم اعتقلوا الآن ابنها الأصغر..ستظل الطفلة تذكر جنون خديجة الذي تعدى سنوات الحرب إلى زمن السلم، ستذكرها وهي تطرق أبواب الجيران بقوة وتسأل إن كان أحد التقى بأبنائها، أو حين تزعق في أولاد الجيران تطلب منهم الذهاب من الشارع لأنهم يزعجون ابنها الصغير النائم في سريره، ستعيش خديجة كل سنوات الحرب، مع ذاكرة متوقفة عند لحظات معينة. 

* * *

كانت أغنيات 'مارسيل خليفة' التي عرفتها كثيرا تلك الأيام، تحكي عن وجوه تشبه الوجوه التي عرفتها، لكن وجه مارسيل ذكرها دائما بوجوه القديسين الذين رأتهم في الكنيسة، وجه فيه سكينة محيرة تتنافى مع دوي القذائف.

حين كبرت الطفلة قليلا، صارت الأسئلة الجدلية عندها حول مبادئ القوة والضعف، وعلاقتها بالتاريخ، تشكل في داخلها سورا احتاجت إلى تسلقه بأي طريقة، للحكي عما عرفته يوما. في أعماقها أدركت أن ثمة ما سُرق منها ولا سبيل أبدا لاستعادته، ولى زمن الشرائط البيضاء الرقيقة التي تضفر جديلتها، لعبتها الصغيرة أيضا صارت عوراء، ونبتة الغاردينيا في الشرفة تساقط ترابها على الأرض، تفاصيل صغيرة كونت عالمها الطفولي الذي انقلب بلا مقدمات، علاقتها مع ذاك العالم تشبه الحكايا المسحورة، أن يكون في يدها لوح زجاجي يعرض صورة الأميرة الصغيرة في قصرها، ثم في نفس اللحظة يتم قلب اللوح الزجاجي لتصير الأميرة الصغيرة عجوزا هرمة تجلس في خرابة، هكذا انقلب عالمها بين صباحين، لذا أحست أنها مسؤولة عن نقل حكايا الضعفاء في لحظات عجزهم عن فعل أي شيء، أو حتى عن استئذان الآلهة لمنحهم ذرة وقت قليل لحياة آمنة. الصور الكثيرة الموجودة في ذاكرتها لرجال صارعوا الوحوش قبل إجبارهم على الرحيل عند المرافئ، ولأمهات معذبات، ولأطفال خائفين مثلها، ظلت تؤرقها طويلا، لذا ظلت ترسم وجوههم على الجدران، وبجانب كل وجه حكاية مختلفة، ثم اكتشفت أن جدارها صار مليئا بخط متسلسل من الوجوه التي تنطق في كل مساء ساردة عذاباتها الأخيرة قبل الموت، وكيف رحلوا جميعا تاركين ظلالهم، وعذاباتهم عالقة في ركن الوجع الأبدي للروح.

ماذا تعني الحرب؟ ستظل تجد إجابات لا تنتهي لهذا السؤال، تختلف وتتنوع باختلاف الأحداث.

الحرب تعني دماء على الطريق، وأشلاء منسية، ورجلا فقد أطرافه ومازالت أجفانه ترف بالحياة. الحرب تعني أرضا منكوبة، وتعني الحصار، وفقدان الماء والغذاء، وتسمم الأطفال من علب الحليب المنتهية الصلاحية، الحرب تعني نساء أصابهن مس الفقد، ورجالا معطوبين في الأحلام والأطراف، الحرب تعني أن الذاكرة صارت مثقوبة إلى الأبد، ولا مجال لرتق فجواتها؛ لأن الفجوة تتسع في كل عام، ومع تجدد الذكرى، حيث حُفر وشم دلالته تتجاوز كل الخراب الذي وقع على الأرض.

   





من مكتبتي

د. لنا عبدالرحمن كاتبة وصحافية ، تقيم في مصر ،عضو نقابة الصحفيين واتحاد الصحفيين العرب وعضو نادي القصة .حصلت على الماجستير في الدراسات الأدبية (قسم اللغة العربية). ونالت الدكتوراة عن موضوع السيرة الذاتية في الرواية النسائية اللبنانية.و تعمل في الصحافة الثقافية.




اقسام مدونتي

الاقسام الرئيسية

روابط مختارة

من مكتبتي
 اسم الكتاب ثلج القاهرة - رواية
المؤلف: لنا عبد الرحمن
 اسم الكتاب قيد الدرس - رواية
المؤلف: لنا عبد الرحمن
 اسم الكتاب لافينيا ( رواية) أورسولاكي لي جوين
المؤلف: ترجمة : لنا عبد الرحمن
 اسم الكتاب شاطئ آخر.. مقالات في القصة العربية
المؤلف: لنا عبد الرحمن
 اسم الكتاب تلامس - رواية
المؤلف: لنا عبد الرحمن

من مكتبتي

مواقع مختارة

من أرشيف المقالات

من مكتبتي الخاصة

من ألبوم صوري





كن على تواصل دائم

خدمة Rss     صفحة البدء    اضفنا للمفضلة


© جميع الحقوق محفوظة لموقع د.لنا عبدالرحمن lanaabd.com 2018

برمجة وتصميم طريق التطوير
لحلول الإنترنت