تساؤلات الهوية والاغتراب في “ليالي سان دوني”

المكان بالنسبة للروايات ليس مجرد خلفية للأحداث، حتى أنه أحيانًا قد يتحول إلى بطل حقيقي يشارك الشخصيات أزماتها وتحولاتها. لكن هذا النوع من الروايات، الذي يعتمد بشكل أساسي على المكان، يمثِّل تحديًا خاصًّا للكاتب، فحين تجري الأحداث كلها داخل جدران مكان واحد، يصبح من السهل الوقوع في فخ الملل والرتابة. إلا أن هذا يمنح الكاتب فرصة لإثبات قدرته على خلق حركة إنسانية ونفسية داخل المكان، عبر تشابك مصائر الشخصيات، وتقاطُع حكاياتها وآلامها.
هذا التحدي خاضته الكاتبة لنا عبد الرحمن في روايتها “ليالي سان دوني” ( دار العين ، القاهرة)، والتي تدور أحداثها في باريس، تحديدًا في حي سان دوني، الذي تحمل الرواية اسمه. هذا الحي الذي يضم أعدادًا كبيرة من المهاجرين واللاجئين، ويتميّز بتنوّعه العرقي والثقافي، لكنه في الوقت نفسه يقع على هامش باريس، أي أن المكان هنا يعكس الحالة النفسية للأبطال، فهم أيضًا يعيشون على هامش المجتمع، ويشعرون بالتيه وفقدان الانتماء.
يشترك في بطولة الرواية مجموعة من المهاجرين الذين يلتقون داخل قصر مهجور اسمه “لو شاتو”، ورغم اختلاف جنسياتهم وخلفياتهم الثقافية، يجمعهم شعور واحد: ضياع هوياتهم، والبحث عن معنى جديد للحياة، في هذا المجتمع الجديد المتحضر الذي يجد صعوبة في تقبُّلهم والاعتراف بهم، رغم شعاراته الرنانة التي تدَّعي عكس ذلك. إلا أن هذا القصر، كغيره من الأماكن التي مرُّوا بها، قد يكون مجرد ملاذ مؤقت، هنا تتصاعد تساؤلاتهم: هل يمنحهم “لو شاتو” فرصة للاستقرار، أم أنه مجرد محطة أخرى في رحلتهم الشاقَّة؟
تتنقل الرواية بين هذه الشخصيات، لتكشف تنوّع التجربة الإنسانية. فيظهر أبو الطيب الذي يحيا حياة بوهيمية، تناسب هيئته التي تشبه فناني “الهيبز” في السبعينيات، بوصفه نموذجًا للإنسان الذي دفعته الحرب والمنفى إلى تجاوز الحدود والهويات التقليدية، فهو “يعرف نفسه بأنه فلسطيني، عاش سنوات طفولته وشبابه بين ليبيا ودمشق، لكن في الوقت نفسه، يقول بأنه وصل إلى فرنسا حاملًا جواز سفر جزائري، قام بتمزيقه فور وصوله المطار. لذا هو مسجل في الدوائر الرسمية بأنه من دون هوية.
وتحضر عبير، التي فرّت من ليبيا إلى مصر ثم تونس، قبل أن تستقر في فرنسا، حاملةً داخلها طبقات متعددة من الانتماءات والذكريات. وترى نفسها “نسيجًا من رمال بنغازي التي شكّلت عظامي، ومن نسمات بيروت التي حملت إليّ صدى صلوات مسيحية بعيدة، وُلدتُ من لقاءٍ عابرٍ بين قلبين، أحدهما جاء إلى لبنان يحلم بالعلم والحرية، والآخر رقص على إيقاع الحياة قبل أن تتحطم أحلامه بالحب والحياة المستقرة، مع الرجل الغريب الأسمر القادم من بعيد”.
أما نايا، الابنة السرية لأحد زعماء الحرب في لبنان، فتعيش تمزقًا مضاعفًا بين لبنان وفرنسا، وبين الشرعية والنبذ، وبين الحب والخسارة. وتلخص أزمتها بقولها: “أحياناً، أشعر أنني أخطو نحو الفنون، كي أهرب من أسئلةٍ لا إجابة لها: من أنا؟ هل أنا ابنة الزعيم حقا! أم ابنة أمي؟ أم مجرد نايا، امرأة تحاول أن تجد مكانها في العالم؟ امرأة، على حافة الأربعين، ولم تجد مكانها في العالم بعد؟”.
كذلك يظهر يوسف بوصفه نموذجًا آخر للهوية المعلقة بين أكثر من وطن. فبحكم أصوله اللبنانية والسورية، لم يحظَ بانتماء كامل إلى أي منهما، وظل يعيش حالة من الالتباس والحرمان القانوني والوجداني، جعلته يشعر بأنه يعيش ” كطائر بجناح واحد، يحلق دون أن يجد موطنه الحقيقي”.
ودرصاف، التي فرت من أفغانستان، بعد عودة طالبان للحكم، بحثًا عن فضاء أكثر أمنًا وحرية للنساء، بعدما أصبح محظورا عليهنَّ الذهاب إلى كثير من الأماكن العامة، فهي ترى أن المشكلة لم تكن في السلطة وحدها، تقول: “زال حكم طالبان عام 2001، حيث بدأت النساء يستعدن بعض حقوقهن من جديد. لكن هذا ليس كل شيء، كان الهواء مسموما بالنسبة لي، طالبان ليس نظام حكم فقط، إنه وجود كامل لعقليات كبرت وتحجرت على أفكار بعينها”.
وعلى الجانب الآخر، تقف كامي، الفرنسية المنحدرة من عائلة أرستقراطية، التي اختارت بإرادتها التخلي عن امتيازاتها الاجتماعية، وقررت “الانضمام طواعية لمشردي الأرض، لتكون رسولة الدفاع عن البيئة”، وتستقر في “لو شاتو” داخل كوخ صغير بنته بين شجرتين، حيث تنشأ بينها وبين يوهانس، الذي يشبه “جان فالجان” بطل رواية “البؤساء”، علاقة حب، لكنهما لا يحملان ماضيًا مثقلًا بالخسارة، مقارنةً بالآخرين.
إلى جانب هؤلاء، تظهر شخصيات أخرى أقل حضورًا مثل مازن، كريم، نسيم، أكرم، نونو، ماثيو، الذين يتشاركون أوجاعهم، وإن اختلفت حكاياتهم وشخصياتهم.
في النهاية، ربما يجد القارئ نفسه تائهًا بين الهويات والانتماءات المتعددة للشخصيات، غير قادر على الجزم بهوية نهائية لأي منها. لكن ذلك لا يُعد نقصًا في الرواية، بل هو جزء من رؤيتها؛ كما جاء على لسان أحد أبطالها: “في النهاية، قد لا يكون هناك إجابة قاطعة عن هويتنا، لكن المهم هو السعي المستمر لإيجادها، والقبول بأننا أكثر من مجرد صورة واحدة أو دور واحد. نحن كائنات متعددة الأوجه، وكل وجه منها يساهم في تكوين حقيقتنا الكاملة”.
تعتمد الرواية على أكثر من طريقة في السرد؛ فبعض الفصول يرويها راوٍ عليم، بينما تأتي فصول أخرى بصوت الشخصيات نفسها، حيث يعبِّر كل شخص عن مشاعره وأزماته بطريقته الخاصة. وفي أحيان كثيرة تتحدث الشخصيات عن بعضها البعض، فنرى كل شخصية من خلال عيون الآخرين أيضًا. هذا التنوع في السرد، يمنح القارئ فرصة لفهم الأحداث والشخصيات من أكثر من زاوية، مما يزيد من إحساسه بالواقعية، ويجعله أكثر تفاعلًا.
“ليالي سان دوني” هي الرواية الثامنة للكاتبة، فقد صدر لها “حدائق السراب”، “تلامس”، “أغنية لمارغريت”، “ثلج القاهرة”، “قيد الدرس”، “تميمة العاشقات”، “بودابار”، كما صدر لها أيضًا مجموعات قصصية مثل “أوهام شرقية”، “الموتى لا يكذبون”، “حجاب محبة”، وغيرها، ويجمع بين هذه الأعمال الأدبية اهتمامها بالغوص داخل الشخصيات، وتناول موضوعات الفقد والاغتراب والذاكرة، والاعتماد على أسلوب سردي يميل إلى التأمل الوجودي أكثر من الحدث الخارجي. ذلك بالإضافة إلى كتب في النقد الأدبي منها “نظرة أخرى.. الروائي والمخيلة والسرد”، “متعة السرد والحكايا”، “مدار الحكايات مقالات عربية”، “شاطئ آخر.. مقالات في القصة العربية”.
أسماء قدري
middle-east-online.com



