رسائل إلكترونية لرجل ميت

بين واقع تمثيلي، وآخر إفتراضين يتحرك السرد ويتأرجح في رواية “أغنية لمارغريت” للروائية ” لنا عبدالرحمن” (الدار العربية للعلوم، بيروت).

(1)

ترحل “زينب” الفتاة الشابة مع أسرتها من الضاحية الجنوبية إلى شقة في بيروتهرباً من جحيم العدوان الإسرائيلي. على وجه التقريب، لا تبدو زينب حريصة على شىء من متاعها إلا كتب “مارغريت دوراس” كاتبتها المفضلة، ومن ثم قرينتها الفنية. تختار زينب الغرفة الأشد وحشة في شقة بيروت، لتكمل مغامرتها الخاصة.

ستحاول زينب المغرمة بـ “مارغريت دوراس” الروائة الفرنسية، ترميم صورة خاصة لكاتبتها المفضلة، لكن كإمرأة عاشقة في شيخوختها، تعيش دوراس قصة غرام أخيرة مع شاب هو “أيانيان” الذي سيصبح موضوعاً لرسائل إلكترونية متلاحقة من زينب، تستحضره وكأنه حي. مثلث غريب إذن تنسجه الرواية على مهل، بين العشيق والعشيقة(الفرنسيين) والمتلصصة اللبنانية.

هذا المثلث سيتم التعبير عنه سردياً بثلاثة تقاطعات سردية رئيسة، يتوزع عليها الخطاب السردي، مثلما تتوزع بطلته زينب نفسها بين واقع “فني” تمثلة حكاية “مارغريت” و”يان” وواقع “إفتراضي” يكشف علاقة زينب بـ”يان”، وبينهما واقع زينب العاري والموحش على خلفية المأزق اللبناني. الأنهار الثلاثة هي أيضاً طرائق ثلاثة في اللغة السردية، تتراوح بين التقرير الإخباري والإيحاء الشعري والإنسياب الحكائي.

(2)

تغوص زينب في تدبيج رسائل إلكترزنية لرجل ميت، هو “يان” عشيق دوراس، بالتقاطع مع إستعادة مشاهد محورية لعلاقة “دوراس” بالعشيق. ما دلالة ذلك؟ ربما يعكس إنفصاماً حاداً عن الواقع بالإنضواء تحت مظلة واقع بديل، وربما، في لا وعيها، ترغب الذات في الإتحاد بضحية قرينتها، كإنصياع مازوخي، وربما أيضاً هو الطريقة الأصعب في الإتحاد بـ”دوراس” نفسها، السادية في نهاية العمر حيال من تحب. في كل الأحوال، ثمة إنحياز للهزيمة والخسران تحياه زينب، كأنه العوض الوحيد عن خسارتها.

واقع مواز تحياه زينب بإختيارها، يعمق إغترابها رغم ذلك، كونه واقعاً وهمياً، مختلقاً، لكن الواقع الحقيقي لا يختفي رغم ذلك، فهو جاثم، تستدعي زينب عبره خيباتها، إخفاقاتها العاطفية، وجهة نظرها في الحرب، قراءتها لوطن ممزق.

“مارغريت” التي تمنحها زينب “أغنية” كما يعلن العنوان، تفلت من فخ السيرة المباشرة،”الأمنية مع الواقع” لصالح رحابة التحريف.

إنها في الحقيقة كما تقدمها الواية، لا تعدو أن تكون شخصية في وعي زينب، هي قناع يخلق واقعاً مجازياً، بإستعارة إسم وإعادة تأويل الكائن الجاثم خلفه.

نحن في الحقيقة نقرأ قصة زينب وليس مارغريت، تحضر مارغريت لتضيء لزينب ذاتها، ولتضيء زينب نفسها. إنه منطق آخر تتبناه الرواية: إلى أي مدى يمكن أن يجيب الإفتراضي على الواقعي؟ المتخيل على الماثل، والغائب على الحاضر؟

(3)

زينب تحل كساردة، فقط، في خطاباتها لأندريا، ما يعني أننا أمام أعلى درجات الكشف في هذا المستوى من السرد، ودعونا لا ننسى أن تيمة الرسالة نفسها هي تيمة تعرية، تتبدى فيها الذات كخطاب ذاتي، أقرب للمباشر، وتتجرد اللغة من الوظيفة الشعرية لأعلى درجات الإتصال والإخبار.

قصة زينب نفسها، مروية بضمير الغائب، يتولاها سارد آخر، “سارد مصاحب” يتجاوز السارد المحايد.. ثم هناك قصة مارغريت، التي تقوم في الحقيقة على “تفصيلة”، أو زاوية بعينها، تتجسد فيها مارغريت في لحظات شيخوختها، وكان مراغريت العجوز، والموشكة على النهاية، هي بالذات المرآة القادرة على عكس زينب الشابة، التي تبدأ (إفتراضياً) حياتها.

يتخلق السرد في لحظة جمعية مأزومة، هي الحرب، ورغم أنه يبدأ بحلول زينب وأسرتها في شقة لا تخص الأسرة، هرباً من الجحيم في الجنوب، إلا أنة مفارقة أولية، وربما فادحة، ما تلبث أن تتخلق: فزينب ليست معنية بالحرب، بل على العكس، لقد عالجتها الحرب من رغية ملحة في الإنتحار، لأن الموت أثناء حرب،هو حسبها، موت مجاني.

زينب تتصالح مع الحرب، على العكس من الجميع، في خيانة تعني تصالحاً مع فرديتها..وإلا، فأي ترف يجعل لائجة تصحب معها كتباً لكاتبتها المفضلة بدلاً من الأغراض الأهم في لحظة كهذة؟ يشبه ذلك تصالحها مع غرفة القتيلة، التى تختارها مكاناً لها، في خيانة جديدة لوعي المجموع وخوفه. كل ما يخشاه الجميع تتصالح معه زينب، التي يبدو في تأويل أعمق أنها لا تحيا سوى بين أنقاض.

تسعى زينب لتحري علاقة مارغريت بعشيقها، وكأنها أمام سؤال خاص بها. ما الذي يفسر هذا الولع؟ أيضاً ثمة نزوع سادي، أو كذا شعرت، في تتبع علاقة تلعب فيها الأنثى الدور السادي ويكتفي الذكر بإستعذاب الألم، يقابل الموقف الذكوري الذي يشتغل على التيمة النقيضة. هذة العلاقة هي بالضبط نقيض علاقة زينب بالدكتور عبدالله أستاذها الجامعي، هي أيضاً كانت “عشيقة”، بفرق سن ليس بالهين، وكانت تتعرض لسادية. الحرب من جديد تسدي خدمة لزينب، تجعلها على العكس من الجميع-ممتنة لها، حين تعلم أن البناية التي يقطنها دمرت بالكامل.

الحرب تمنح زينب في الحقيقة فرصة للتطهر، تنوب عنها في إخفاء عوراتها ومحو آثار ذنوبها السابقة المخجلة:(حين أخبرها أن البناية التي تقع فيها شقته دمرت بالكامل، لم تحس نحوه بأي تعاطف، غلب عليها إحساس مبهم لم تتنمكن من تفسيره، ربما لأن تلك الشقة التي تعرفها جيداً قد زالت الآن عن سطح الأرض…)

بشكل ما، تتطهر زينب بالحكي، تجعل من “الواقع” محض إقتراح من بين إقتراحات أخرى، وتحول المأزق الكبير إلى محكيات صغيرة تفتت الوجود الإنساني إلى مشاعره الأولية، في دقتها وتذريها.

طارق إمام

جريدة ( عمان )  شرفات -26 مارس 2013

 

زر الذهاب إلى الأعلى