المعادلة الإنسانية بين السهولة والفقد

تشي المعادلة الإنسانية بكثير من الحقائق التي من المفترض أنها بَيِّنة، لكنها في الزمن الراهن تخضع لتحولات مكشوفة. مثل أنك تستطيع حقًا أن تتناول أي طعام تحبه في المطاعم، لقاء مبلغ من المال، ورغم ذلك يظل ثمة شيء مفقوداً في طبقك المزيّن والمقدّم في أجمل صورة. ثم تكتشف، وهذا ليس من قبيل الادعاء أو المبالغة، أن طبق الحساء الذي تعدّه في مطبخك الصغير أطيب طعمًا، وألذ نكهة، رغم خلوّه من المحسنات الشكلية.

ربما لأن الطعام، في جوهره، ليس مجرد مكونات تتجاور داخل طبق، وليس طعمًا يتكرر بالدقة ذاتها كل مرة. ثمة يدٌ أعدّته، ووقتٌ أنفق في إعداده، وذاكرة تتسلل إلى النكهة من دون أن نعرف كيف. هناك شيء غير مرئي لا تستطيع الوصفة أن تكتبه، لذلك قد نخرج من مطعم فاخر وقد حصلنا على كل ما يفترض أن نحصل عليه: طبق جميل، خدمة جيدة، موسيقى مناسبة، وإضاءة محسوبة، ثم نشعر، رغم ذلك، بأننا لم نشبع تمامًا.

لكن ليس الجوع هو ما كان ينقص بالضرورة، وإنما شيء آخر يصعب تسميته.

هذا سوف يقودنا، بشكل من الأشكال، إلى الحديث عن الصورة المحسّنة التي احتلت الشاشات، وانسحب منها الحس الإنساني تمامًا، وحل مكانه وجوه وأجساد بشرية مثالية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، يتم استخدامها على يوتيوب في الفيديو كليب المرافق لأغنية. أراقب هذه الوجوه البديعة الشكل، يصيبني انزعاج لا أعرف كيف أفسره في البداية. إحساس معدني يتسلل إليّ، طعم برادة حديد في فمي. كل شيء مصقول أكثر مما ينبغي، ناعم، مثالي، جميل أكثر مما ينبغي.

ربما يكمن هنا مصدر الخوف.

الإنسان، كما نعرفه، ليس كاملًا. جماله مرتبط بتلك الأشياء الصغيرة الناقصة في الصورة: تجعيدة تظهر فجأة، سنّ غير منتظم، عينان صغيرتان، تقطيبة جبين، خصلة شعر هائشة، وجه يبدو مختلفًا من الصباح إلى المساء. هذه التفاصيل التي كانت تُعد عيوبًا في زمن ما، هي بالضبط ما يمنح الوجه خصوصيته، وما يجعلنا نصدّق أن وراءه إنسانًا عاش شيئًا ما.

أما الصورة المثالية، حين تصبح بلا خدوش، فإنها تفقد شيئًا من قدرتها على لمسنا، مثل وجبة مثالية غير مشبعة في مطعم أنيق.

أراقب تلك الوجوه المصنوعة، وأفكر أن المشكلة ليست في كونها جميلة، وإنما في أنها خالية من الحقيقة. لا طفولة خلف العينين، ولا ليلة أرق، ولا حبًا قديمًا، ولا مرضًا، ولا بكاءً، ولا خيبة، ولا انتظارًا. تبدو لي كأنها تنظر إلينا من كوكب مقفر لا يسكنه أحد.

وكلما ازداد إتقان الآلة، بدا لي أن السؤال لم يعد: هل تستطيع الآلة أن تقلّد الإنسان؟ وإنما: ماذا سيحدث للإنسان حين تصبح الآلة قادرة على تقديم نسخة من ملامحه أكثر كمالًا منه؟

كل الأشياء تنحو نحو السهولة بشكل مخيف.

في الصباح الباكر، عند مغادرتنا مطار برشلونة، كل شيء تقريبًا تم عبر الآلة. تمرير جواز السفر للحصول على بطاقة الصعود إلى الطائرة، وزن الحقائب وتسليمها، ثم المرور إلى المراحل التالية، من دون أن أرى موظفًا واحدًا تابعًا لشركة الطيران التي اخترنا السفر معها.

«هذا لأن الرحلة ضمن الطيران الاقتصادي»، يوضح لي ابني عمر.

تبدو الجملة بسيطة، لكنها دفعتني إلى التفكير في المعادلة الآتية. ربما لا يتعلق الأمر بالطيران الاقتصادي وحده، ولا بتوفير الشركة كلفة موظف أو اثنين. نحن أمام اتجاه كامل يتقدم بهدوء، ويخضع، في جانب كبير منه، لآلية السوق: ما يمكن أن تنجزه الآلة بسرعة أكبر، وبكلفة أقل، ومن دون راتب أو إجازة أو تأمين أو تعب، سوف يصبح هناك واقع مفروض أن تنجزه الآلة.

تذكرت أيضًا، في مطار بانكوك، حين شاهدت رجلًا آليًا يقوم بتنظيف الأرض وتلميعها، ويبتعد عن طريق المارة لو حاولوا الاقتراب منه، قفز إلى ذهني لحظتها مسلسل اجنبي قديم، كان فيه رجل ٱلي يعيش مع أسرة ويتدخل في نقاشات الأفراد، وحل المشاكل، ما كان مزحة في يوم ما، يقترب من واقعنا الٱن.

المسألة تبدو منطقية من ناحية الاقتصاد، وربما لا يمكن الاعتراض عليها بسهولة. لكن الإنسان لا يعيش داخل المعادلات الاقتصادية وحدها.

فالموظفة التي كانت تأخذ جواز سفري وتنظر إلى وجهي، ثم تقول لي: “رحلة سعيدة”، لم تكن تؤدي وظيفة تقنية فحسب. كانت تضيف إلى الرحلة شيئًا صغيرًا لا يظهر في حسابات الشركة.

وهنا تكمن المسألة التي تبدو لي أكثر تعقيدًا: ماذا نخسر حين نربح الوقت؟

لقد أصبحت الآلة تختصر علينا الانتظار، وتنجز عنا الإجراءات، وتجيب عن أسئلتنا، وتترجم لنا اللغات، وتصحح نصوصنا، وتصنع الصور والأصوات، وتنتج الموسيقى، وتكتب القصص، وتعيد صياغة وجوهنا وأجسادنا وفق صورة مثالية. وفي كل مرة يبدو أننا نكسب شيئًا: سرعة، دقة، سهولة، كلفة أقل.

لكن ربما تكون هناك أشياء لا تُقاس بهذه الطريقة.

الانتظار نفسه كان جزءًا من التجربة الإنسانية. الوقوف في طابور كان يتيح أحيانًا أن نتحدث مع شخص غريب. الموظف الذي نتذمر من بطئه قد يصبح، بعد دقائق، جزءًا من حكاية سفرنا. بائع القهوة الذي يعرف طلبنا المعتاد، سائقة التاكسي التي تحكي لنا عن مدينتها، النادل الذي يلاحظ أننا نحب الجلوس قرب النافذة؛ كل هذه التفاصيل الصغيرة لا تدخل في مفهوم “الكفاءة”، لكنها تدخل في مفهوم الحياة.

ربما نحن لا ننتبه إلى قيمة الأشياء إلا بعد أن تختفي. وهذه التفاصيل كلها عرضة للاختفاء.

لهذا أتذكر عددًا غير قليل من الأشخاص الذين شاهدتهم في المطار يسافرون برفقة حيواناتهم الأليفة، كنت ألاحظ أنهم لا يتعاملون معها باعتبارها أشياء تُنقل من مكان إلى آخر، وإنما كائنات حية تسافر معهم، تخاف وتتعب وتحتاج إلى الرعاية.

وربما لهذا تبدو علاقة البشر بالحيوانات الأليفة أكثر دلالة في زمن الذكاء الاصطناعي. فالآلة تستطيع أن تجيبنا وتتحدث معنا وتنتج لنا صورة وصوتًا ونصًا، لكنها لا تحتاج إلينا. أما الكائن الحي فيحتاج إلى حضورنا، ويفاجئنا ويربكنا ولا يقدم لنا استجابة مثالية. ربما نحن أيضا لا نحتاج دائمًا إلى شيء يسهل علينا علاقتنا بالعالم؛ أحيانًا نحتاج إلى كائن يجعلنا مسؤولين عن شيء خارج ذواتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى