لنا عبد الرحمن : أوطان المنفى هشة وغير ثابتة

فى روايتها الجديدة «ليالى سان دوني»، تواصل الروائية والناقدة د.لنا عبد الرحمن، انشغالها بأسئلة الهوية والمنفى والبحث عن الانتماء، وتجمع الرواية مصائر عدد من المهاجرين العرب فى ضاحية سان دونى الفرنسية، حيث يشهد قصر «لو شاتو» شتاتهم وقلقهم وأحلامهم المؤجلة، فى عالم يضم موسيقيين وفنانين تشكيليين وصحفيين ولاعبى سيرك وغيرهم مِمَن حملوا أوطانهم معهم إلى المنفى، بعد ثمانى روايات وأربع مجموعات قصصية وعدد من الكُتب النقدية، تتجه د.لنا عبد الرحمن، إلى استكشاف أسباب التيه الإنسانى، وكيف يمكن أن يظل قدرًا يرافق أصحابه أينما ذهبوا.
جئتِ من لبنان إلى مصر وكتبتِ أعمالك السابقة بين أجواء البلدين، فما الذى قادكِ إلى بناء عالم روائى فى فضاء فرنسي؟
– تفاجئنا الأفكار حين لا نسعى إليها، لم أكن أعرف أننى سأنغمس فى هذا العالم حين ذهبت لزيارة أخى المهاجر إلى فرنسا، ورغم أننى زرت باريس سابقًا، فإننى لم أكتب عنها شيئًا. لكن هذه المرة أثارنى وجود مجموعة من الفنانين العرب المتقاطعين مع المدينة، وشغلنى كيف أن هناك خيطًا مشتركًا يجمع بينهم رغم اختلاف انتماءاتهم، مما حرّك مخيلتى نحو الكتابة. والمكان فى هذه الرواية فرضته طبيعة الأسئلة التى تشغل العمل من الداخل، أسئلة المنفى والهوية والبحث عن الانتماء، وضاحية «سان دوني» ليست مجرد خلفية للأحداث، بل شخصية حية تشارك فى تشكيل مصائر الأبطال ورؤيتهم للعالم، بوصفها مدينة تستقطب المهاجرين والفنانين والمثقفين، حيث يلتقون فيها وتتشابك حياتهم.
هل يمكن اعتبار «لو شاتو» وطنًا بديلًا لشخصيات الرواية، قابلًا للضياع مثلما فقدوا أوطانهم؟
– عالم المهاجرين فى الرواية عالم ملىء بالأحلام والخيبات والبحث الدائم عن مكان آمن. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة «لو شاتو» بوصفه وطنًا بديلًا، لكنه وطن هش بطبيعته، ومؤقت كما هى أوطان المنفى كلها، الشخصيات التى فقدت أرضها تبنى مكانها على ما هو متاح، وما هو متاح يتسم بالهشاشة وعدم الثبات، ومن هنا يكمن جزء كبير من الدراما الإنسانية للرواية.
هل يكشف «لو شاتو» وجهًا آخر من أوجه الحياة فى المنفى، كأن التيه قدر للمهاجر؟
– لا توجد طبقة واحدة للمنفى أو للاغتراب، وهذا يدركه جيدًا كل مَن غادر مكانه. ثمة مراحل يمر بها الإنسان بعد السفر، لكن سؤال الهوية يظل يتجدد مع كل انتقال جغرافى أو نفسى، ولا يجد إجابة نهائية، التيه إذن لا يمكن الشفاء منه، لأنه حالة وجودية ملازمة لمَن غادر مكانه، سواء اضطرارًا أو اختيارًا. و«لو شاتو» يكشف هذا الوجه بجلاء؛ فالمهاجر يحمل تيهه معه أينما حَلَّ، والمكان مهما اتسع لا يملأ الفراغ الذى خلّفه الانتماء المفقود.
ما الزاوية التى يمكن بها قراءة هذه الرواية كامتداد لعالمك الروائى؟
– ثمة خيط ثابت، كما أظن، يتصل بالروايات السابقة، يتعلق بالإنسان حين يقف أمام التحوّلات الكبرى. وهناك أيضًا الحرب وما تخلّفه فى الذاكرة والعلاقات الإنسانية، إلى جانب سؤال الهوية الذى يطفو مع كل انتقال جغرافى أو نفسى. تتبدل الأماكن، لكن الأسئلة الجوهرية المقلقة تبقى هى نفسها.
ما الذى يحدث بعد الرحيل؟ وكيف يُعيد الإنسان بناء نفسه حين تنقطع الخيوط التى كانت تربطه بمكانه الأول؟
– أتاح لى الاشتغال على عالم المهاجرين والفنانين فى باريس منح هذه الأسئلة بُعدًا إضافيًا، لأن هذا العالم بطبيعته يجمع أناسًا من تجارب متباينة يحملون خسائر مختلفة، لكنهم يلتقون فى شىء واحد: البحث عن معنى فى مكان لم يولدوا فيه، بل هم غرباء عنه. جميعهم شخصيات تسعى إلى فهم ذواتها من خلال فنها وذاكرتها وعلاقتها بالمكان.
سمر نور
جريدة الأخبار



