” الناجي الوحيد”.. الحرب الأفغانية من وجهة نظر أمريكية

ثمة ثلاث رسائل سياسية أراد فيلم  ” الناجي الوحيد ” Lone Survivor إيصالها للمشاهد، تُعبر عن رؤية أمريكا للحرب، بل وللعالم أيضاً. الفيلم من إخراج وكتابة بيتر بيرغ وحاز جائزة أفضل فيلم أكشن، ومن بطولة مارك والبيرغ، تايلور كيتش، إميل هيرش، بن فوستر، وإريك بانا.

قصة الفيلم مستوحاة من حدث واقعي عن عملية “ريد وينغز” التي قام بها فريق من قوات البحرية الأمريكي في أفغانستان عام 2005 للقبض على ” أحمد شاه” أحد زعماء طالبان.. وكما يتضح من العنوان لا ينجو من هذه العملية إلا شخص واحد كان على شفير الموت، لكنه نجا ربما ليحكي عما شاهده في أفغانستان. الناجي هو (ماركوس ويتلر)-وهذا هو اسمه الحقيقي- الذي كتب ما حدث في عمل روائي اعتبر ضمن قائمة أفضل الكتب مبيعاً في “النيويورك تايمز”.

منذ بداية الفيلم تتضح الرسالة الأولى التي أراد المخرج إيصالها: في الحرب الانحياز للمواقف الإنسانية سوف يكلفك حياتك لأن عدوك المتربص بك لن يكون إنسانياً ويرحمك. انطلاقاً من هذه الفكرة تتالي أحداث الفيلم.

يبدأ الحدث الرئيسي مع أربعة ضباط يتم إنزالهم على أحد الجبال في أفغانستان، لينفذوا العملية التي وضعها لهم قائدهم وهي (القبض على أحمد شاه)، ويتضح منذ البداية صعوبة قيام أربعة محاربين فقط بمثل هذه المهمة خاصةً وأنهم يتوغلون في جبال وعرة يجهلون مساراتها، كما أن عددهم القليل لا يبدو متناسباً مع حجم المهمة ولا مع عدد رجال طالبان الكُثر، وتكون اللحظة المحورية في الفيلم عند انكشاف أمرهم من راع أغنام عجوز ومعه غلام وطفل، يقبض المحاربون على الرجل العجوز ومن معه، ويدور حوار طويل بين العسكريين الأربعة حول ضرورة قتلهم أو تركهم أحياء، لكن قائد المجموعة يقرر إطلاق سراحهم لأنهم مدنيين. يسارع الغلام الذي تبدو في عينيه الكراهية للأمريكان بإيصال الخبر لجماعة ” طالبان” الذين يندفعون نحو الجبال لمهاجمة الأعداء، منذ هذا الحدث تبدأ معركة شرسة وطويلة تأخذ جزءاً كبيراً من أحداث الفيلم، وتكشف عن براعة التصوير ودقته في حركة الكاميرا التي تركز على التفاصيل الدقيقة، فيما يتعلق بالطبيعة الجغرافية للمكان، وأثره على المحاربين الذين يقومون بهذه المهمة الخاصة، بسبب جهلهم بالطرقات الجبلية، والأماكن التي تساعدهم على الاختباء، بل إن الفيلم يكشف أن للطبيعة دور أساسي في الحرب، خاصة عندما يكون هناك مواجهة على الأرض بين فريق يعرف أين يضع قدمه في مسالك الجبال الوعرة، وآخر يتحرك وفق خرائط فقط.

 

الأفغان وطالبان

الأفغان ليسوا كلهم طالبان، بل هناك من يحب أمريكا، ويقف معها ضد طالبان.. يمكن القول أن هذه هي الرسالة الثانية التي تضمنها الفيلم. هذه الرسالة يمكن استنتاجها بعد أن ينجو المقاتل الأمريكي الوحيد “ماركوس” من حرب الجبال ويصل إلى أحد الأنهار ويلقي بنفسه في النهر ليشرب وينظف جلده المثخن بالجراح، في هذه اللحظة يظهر له رجل أفغاني مع طفل صغير يمد الرجل يده ليساعد المقاتل على الوقوف، ثم يأخذه معه إلى قريته، يقدم له الطعام، ويستبدل ثيابه العسكرية الملوثة بالدم بالزي الأفغاني، وحين يصل الخبر إلى طالبان ويهاجموا القرية للبحث عن المقاتل الأمريكي، يتصدى لهم بالأسلحة كل رجال القرية دفاعاً عن ضيفهم. يظل الرجل الذي أنقذ المقاتل – على أهمية دوره- من دون اسم، وكأن لا حاجة لتحديد اسمه لأن دلالة دوره تشكل رمزية العلاقة مع المجتمع الأفغاني من خارج طالبان، فالأفغان الذين لا ينتمون لهذه الجماعة الدموية يكرهونها أيضاً، ويتحاربون معها، وبالأسلحة .. هنا يتعمد المخرج أن يكشف أيضاً أن كل الأفغان مسلحون، فالقرية التي لجأ إليها (ماركوس- مارك ويلبيرغ) يستخدم رجالها البنادق للدفاع عنه وإنقاذه من موت حتمي لحظة أمسك به رجال طالبان، وأرادوا جز رقبته.

هنا يحق لنا السؤال عن مدى صحة هذا الافتراض، في أن كل قرية أفغانية تمتلك سلاحاً للدفاع عن نفسها ضد رجال طالبان؟

أي أن الشعب الأفغاني إذا كان ضد طالبان عليه امتلاك السلاح- أيضاً- لمحاربة طالبان، وإن كان مع طالبان فمن البديهي أن يكون مسلحاً ليحارب أمريكا!

تبدو هذه الصورة قاتمة جداً على المستوى الإنساني حيث لا يوجد من يرفض الحرب، أو ينبذها، الرافض للقتال هنا، سيتم سحقه من أحد الفريقين. ويظل السؤال الذي يلقيه (ماركوس) على منقذه الأفغاني ” لماذا تساعدني؟” بلا أي إجابة، رغم تكراره عدة مرات؛ هذا السؤال المعلق يتركه المخرج للمشاهد كي يجيب عليه.

ينتهي الفيلم مع جملة يقولها الناجي الوحيد (ماركوس) وهو على متن الطائرة الأمريكية عائداً إلى بلاده، يقول : ” أمريكا لا تعترف أبداً بالهزيمة”.. وهنا من الممكن التوقف عند فكرة الاعتراف، مقارنة بالواقع، لأن عملية “ريد جينز” تفشل تماماً، حيث لم تتمكن الفرقة المكونة من أربعة مقاتلين أن تقتل ” أحمد شاه” رغم الاستماتة في القتال حتى آخر رمق، كما أن ثلاثة مقاتلين أمريكيين أشداء يلاقون حتفهم على أرض الجبال الأفغانية، وينجو واحد منهم بالصدفة، إلا أن تفسير ماركوس للحرب ولكل ما حدث يخلو من فكرة الهزيمة.

افتقد الفيلم للحوار الإنساني العميق عن دلالات الحرب ونتائجها، ليس بسبب تسارع الأحداث التي تركز على القتال فقط، بل لأن الفيلم يتبنى وجهة نظر واحدة تتبنى فكرة الحرب من دون التنويه إلى أن الحروب كلها في النتيجة لا منتصر فيها ولا مهزوم، لأن الجميع خاسر.

الجدير بالذكر أن الفيلم خلى تماماً من أي بطولة نسائية ويركز على مشاهد الحروب في جبال أفغانستان، المرأة في الفيلم تحضر مثل ذكرى جميلة تعكس واقع رغبة المقاتلين في العودة إلى وطنهم والزواج من حبيباتهم. ومن الواضح أن المخرج وكاتب السيناريو بيتر بيرغ ركّز في معالجته السينمائية على فكرة الحرب، وأن يكون عمله من أفلام ” الأكشن”، رغم أنه لو تعمق في دمج بعض اللفتات الإنسانية في فيلمه لكانت النتيجة أعمق من مجرد فيلم أكشن مستوحى من قصة حقيقية.

د.لنا عبد الرحمن 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى