حارسة الحكايات القديمة تُطلق الروح البرية للمرأة

 

لا تبتعد الكاتبة الأمريكية المكسيكية كلاريسا بينكولا في جديدها “إطلاق الروح البرية للمرأة”( دار العين- القاهرة ) عن الفكرة الرئيسة الشمولية التي تضمنها كتابها الأول “نساء يركضن مع الذئاب”، لكن هنا نجد إلى جانب تشجيع المرأة على اكتشاف الجانب البري والصوفي والمطلق من روحها، استنتاج كبير عن الحب تتبناه بينكولا بجرأة معتبرة أن “الحب” هو الترياق الشافي لكل الآلام، فهل هو كذلك حقا؟ يحق لنا طرح هذا التساؤل، ليس من جانب التشكيك بجوهر الحب ومضمونه، بقدر البحث عن الأرضية اليقينية التي انطلقت منها الكاتبة وهي الآتية من مجتمع متعولم ورأسمالي، يسعى لترسيخ الحياة السريعة والاستهلاكية على كل الأصعدة، والحب هو النقيض لذلك، فكيف ستكون الموائمة بين الواقع والمتخيل! لذا ربما من المهم معرفة أن رسالة الدكتوراة لكلاريسا بينكولا كان عنوانها : ” الحب هو الحقيقة الوحيدة، وما عداه وهم، في مداوة الفقد وعلاج الصدمات النفسية وتبديد الاكتئاب.”

منارة ذهبية

عبر حكايات مأخوذة من الميثولوجيا الإنسانية، ومن خلال استلهام الجانب الصوفي للمرأة والاستغراق في البحث والسؤال عن الحضور الروحي للسيدة مريم العذراء، كأيقونة نسوية عالمية مقدسة تتكرر بآلاف الصور والتجليات، يمضي هذا الكتاب بين فصوله الأربعة والعشرين، مرتكزا على سؤال تطرحه الكاتبة في الفصل الأول يقول : ” كيف تم محو المرأة العظيمة؟”، ثم تمضي في الحديث عن دورنا في استعادتها.

بيد أن رحلة الاستعادة الطويلة تحتاج إلى حكايات قديمة راسخة في الوعي البشري يتم استدعائها من الفلكلور العالمي، ومن ترانيم النساء وأناشيدهن وصلواتهن، واخلاصهن الصوفي في السر والعلن. ففي عالم يناضل ضد العنف الذي لا معنى له، وضد التفاوت الاقتصادي الجبار، تقدم لنا روح الأم العظيمة الترياق الأمومي والنسوي لمقاومة سموم الحروب والفقر والعنف. تقول : “كان يُنظر إلى الأم المقدسة منذ زمن بعيد بـ ” عيون الجزيرة”، على أنها حامية الصحة، وأنفاس الحياة.”

تعود الكاتبة إلى ذكريات طفولتها في ميتشجن، إلى نهار شتائي بارد يوم أرادت أسرتها الذهاب في رحلة إلى بحيرة الأم العظيمة. ومن ذاكرتها الطفولية تستحضر كلاريسا تلك اللحظات المفعمة بالخيالات ووهج الأوهام الطفولية الغارقة في أمنية رؤية السيدة الجميلة، لكن قالوا لها أنه لا توجد سيدة بتاج ذهبي، صرخوا في وجهي : ” لا سيدة ترتدي الأحمر، هناك المنارة فقط…لكني رأيت السيدة، لقد رأيتها، وهي قد رأتني”.

ربما بعد تلك اللحظات، آمنت كلاريسا بقدرتها الداخلية، وبأنها قادرة على رؤية ما تود أن تراه، وظلت تكتب على مدار حياتها بأن المرأة  ليست هي المخلوق الوديع الساكن، بل هي عقل قادر على التحليل والنقد، واتخاذ مواقف حياتها  بشجاعة، وتملك يقينا حرية التعبير عن النفس. تتبلور هذه الأفكار على مدار الكتاب في نماذج من الأساطير القديمة المتداخلة مع أحداث قريبة، وروايات يتقاطع فيها الاجتماعي والسياسي. تنهل بينكولا في كتابها هذا من روافد جميع الثقافات الإنسانية، تذهب إلى أرسطو، وترى أنه رفيق شكسبير، تتوقف عند روايات آنا لاموت وتمضي نحو الثقافة البوذية معتبرة أن إحدى أجمل  ترانيم  المايانا،  هي ترنيمة الحكمة والكمال التي تتغنى بالأم العظيمة.

تنتقد الكاتبة النظم الشمولية التي تحرم الأم المقدسة من الظهور، وكيف أن هذه النظم تعمل على تخريب الروح البرية، ليس للنساء فقط بل للإنسان عموما، تقول : ” لقد فُرض هذا التحريم والتدنيس للمقدس ستين سنة تقريبا على قطاع ضخم من الأراضي والشعوب، على سبيل المثال شمال آسيا وشرق أوروبا وروسيا وبلدانها الكثيرة المستقلة سابقا، واستمرت تلك المعاملة القاسية والعنيفة لمعتقدات الناس الروحية والدينية، التي نشأت عن الديكتاتورية الشمولية. كان التصرف إزاء أماكن العبادات هو هدمها بسبب الحاجة إلى إعادة التنمية، من دون الحاجة المفاجئة إلى شعر يتردد أو سرد يُتلى. كانت الأرواح التي تحاول أن تزور الأماكن المقدسة تتعرض للهجوم، وأحيانا للقتل، حيث كانوا يصلون أو يركعون. فالأماكن التي كانت أبوابها مفتوحة ذات مرة للطيور والناس لقرون عديدة، قد أوصدت.”

تربط  الكاتبة بين أمومية الأرض نحو الإنسان، وبين الأمومة كفعل مقدس، فالوجود البشري يرتبط  بالانصات للايقاع الداخلي لأجسادنا ولنحقق هذا علينا أن نصغي للكون، للبحر، للمحيط، للنسيم، لذا يبدو هذا الكتاب بمثابة بحث طويل أيضا عن رحلة الانسان على هذه الأرض، وما فعله فيها وعليها. لا تنطلق بينكولا في حديثها هذا إلا من خلال الوقائع والحكايات والقصص التي يتلامس فيها الواقعي مع الروحاني في فيض عذب يُضاعف من تأثيره ميول المؤلفة للكتابات الشعرية، فيمكن العثور على الظل العالي للقصائد في مجمل حكاياتها، ووصفها للطبيعة، وفي بساطة تعاملها مع الواقع كأن تقول :”في الهند، وصف الطبيب المعالج والحكيم العظيم كاراكا بعضا من ضوء الشمس علاجا لكل الأمراض، مع السير في أوقات الصباح المبكر، ولم تخب نصيحته أبدا. إذا وجدت روضة خضراء منثورة بالبابونج في أحضان غدير تجري مياهه صافية، فقد وجدت الدواء.”

ولعل الجدير بالذكر عن كلاريسا بينكولا أنها محللة نفسية تحمل درجة دكتوراة في التحليل النفسي أصدرت عدة كتب مسموعة ومارست العلاج النفسي، وقد أصدرت هذا الكتاب بعد مرور عشرين عاما على إصدارها كتابها الأول ” نساء يركضن مع الذئاب” الذي تُرجم لأكثر من ثلاثين لغة.

كتاب ” إطلاق الروح البرية للمرأة”  تجاوز رقم صفحاته ستمائة صفحة من القطع الكبير، مع جهد كبير من المترجم مصطفى محمود محمد، الذي قدم للقارئ العربي كتاب بينكولا الأول، حيث يسترعي انتباه القارئ دقة الترجمة، مع التفسيرات والشروحات سواء للمعاني المرتبطة بالدلالات المكانية أو الزمانية للأحداث والأماكن التي يرد ذكرها داخل النصوص، أو في تقديم تفاصيل عن الصور التي تضمنها الكتاب في كل فصل. وكما حقق كتاب ” نساء يركضن مع الذئاب” انتشارا واسعا أدى لإعادة طبعه عدة مرات، في أكثر من دار نشر، فإن ” الروح البرية للمرأة” يمضي على ذات النهج، رغم أنه يبدو أكثر تخصصا وتعميقا للجانب الأنثربولوجي، والنسوي والواقعي أيضا. لذا تظل كلاريسا بينكولا في هذا الكتاب حارسة الحكايات القديمة واليونجية المخلصة التي تدعو المرأة إلى إعلاء قيمة الأم وتذكر حكاياتها المرشدة، فالأم المقدسة هي التي عاشت خلال الحروب والغزوات وقاومت العبودية والسخرة والتعتيم، وناهضت من أجل المحبة بغرض دعم الإنسان ومواجهة قضاياه الأساسية، هي الروح القوية الرحيمة التي تحرص على تنبيه العالم إلى ما يعانيه من خراب. لذا سوف يقدم هذا الكتاب لقارئه، من خلال الأسطورة والقصيدة والحكاية والارتحال، الدعم النفسي والمواساة لكل فقد وخسارة.

د.لنا عبد الرحمن

 

زر الذهاب إلى الأعلى